مؤيد الدين الجندي
66
شرح فصوص الحكم
وهذه صورة الهاء التي للهوية الغيبيّة والعينية ، فهو الأوّل الخفيّ في اللفظ ، الجليّ في الرقم ، وهو الباطن في همزة عين التعيّن الأوّل لفظا ، والآخر الظاهر بعد اللامين لفظا لا خطَّا . وهذا مقام اضمحلال أحوال السائرين واستهلاك مقامات السالكين وفناء أعيان الإنّيّة الوجودية في الهوية الأحدية الجمعيّة الإحاطية بالأوّلية والآخرية والظاهرية والباطنية ، حتى فني ما لم يكن ، وبقي من لم يزل ، كما قلنا في هذا المشهد : شعر : هويّته أبقت فناء هويّتي وإنّي به فيه عديم لواجد وقد فنيت إنّيّتي في هويّة إحاطية ذاتية لم تشاهد ولأحدية العين الواحدة - التي لا عين غيرها - أنفة وغيرة من مقام الغيرية ، فلا غير يثبت ، لظهورها ، ولا ظلام يقوم ، لنورها . عطس رجل بحضرة الجنيد - قدّس سرّه - فقال : « الحمد لله » ، قال الجنيد : « قل كما قال الله - تعالى - : * ( الْحَمْدُ لِلَّه ِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) * « 1 » فقال الرجل : « ومن العالم حتى يذكر مع الله ؟ ! » فقال الجنيد : « الآن يا أخي فقل فإنّ المحدث إذا قرن بالقديم ، لم يبق له أثر » وهذا مقام الوله الذي لأهل الفناء في الله تعالى ، ولكنّ الفاني إذا تحقّق بعد تعدّي مراتب فنائه - وهي سبع على ما عرف - وتحقّق فناء فنائه ، تحقّق ببقاء الحق في هاء هوية الوجه الباقي في قوله : * ( كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَه ُ ) * « 2 » حينئذ قال : * ( الْحَمْدُ لِلَّه ِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) * كما قال الله تعالى وأشار إليه الجنيد - رضي الله عنه - وهو الأستاد المحقّق . وهذا مقام الورثة في اللامقام وهو أعلى من مقام الأوّل بدرجات كثيرة ومراتب خطيرة أثيرة لأنّه شهود محض ، لا يتحرّك معه لسان ولا يضطرب فيه جنان ، ولا يبلغه بيان ، فافهم . ثم نرجع إلى ما كنّا بصدده ، فنقول : اللام الثاني لام عرش الألف ، والعرش ظلّ الله كما قال تعالى : * ( أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ) * « 3 » وبامتداد الظلّ الإلهي - الذي هو لام لوح تفصيل الملكوت - إلى الفوقية الإطلاقية والعلوّ الألفي يظهر نون عين الألف .
--> « 1 » الفاتحة ( 1 ) الآية 2 . « 2 » القصص ( 28 ) الآية 88 . « 3 » الفرقان ( 25 ) الآية 45 .